خليل الصفدي
109
أعيان العصر وأعوان النصر
الأمير سيف الدين منكوتمر ، فحسن له القبض على الأمراء ، فأمسك البيسري وقراسنقر وأيبك الحموي ، وسقى جماعة السم ، ولذلك هرب قبجق والبكي وبكتمر السلحدار ، وبزلار إلى التتار - كما تقدّم في تراجمهم - ، ولم يخرج إلى الشام مدة ملكه . ولما كان يوم الخميس في التاريخ المذكور ركب موكبه وهو صائم ، عمل عليه جماعة من الأشرفية ، ودخلوا عليه بعد العشاء الآخرة ، وهو مكبّ على الشطرنج ، وما عنده إلا القاضي حسام الدين الحنفي ، وعبد اللّه الأمير ، وبريد البدوي ، وإمامه محب الدين بن العسال ، فأول من ضربه بالسيف كرجي - مقدم البرجية - ، وتوجّه طغجي وكرجي إلى دار منكوتمر ، ودقّا عليه الباب ، وقالا : السلطان يطلبك ، فنكرهما وقال : قد قتلتماه ، فقال كرجي : نعم ، يا مأبون وجئنا لنقتلك ، فاستجار بطغجي فأجاره ، وحلف له ، فخرج إليهما ، فذهبا به الجب وأنزلاه ، فاغتنم كرجي الغفلة ، وحضر إلى الجب ، وأخرجه من الجب وذبحه ، وقال : نحن ما قتلنا أستاذه إلا من أجله ، فما في بقائه فائدة ، ونهبوا داره في الحال ، واتفقوا على إعادة الملك الناصر ثانيا إلى الملك ، واتفقوا على أن يكون طغجي نائبا ، وحلفوا له على ذلك ، وأرسلوا سلار - وهو إذ ذاك أمير صغير - إلى الكرك ؛ لإحضار الناصر محمد ، وعمل طغجي النيابة أربعة أيام . ولما حضر أمير سلاح من غزوة الشام ، وطلعوا للقياه جرى ما جرى - على ما تقدم في ترجمة طغجي وأمير سلاح - ، وقتل طغجي وكرجي ، وكان يعلم على الكتب إذ ذاك ثمانية أمراء : سلار ، والجاشنكير ، وبكتمر أمير جاندار ، وآقوش الأفرم ، والحسام أستاذ الدار ، وكرت ، وأيبك الخزندار ، والأمير عبد اللّه . وقتل لاجين وهو في عمر الخمسين . قد رعدت فيه الحوادث طورها ، وتجاوزت أقدارها الأيام ، لأنه كان سلطانا جيدا عادلا ، خبيرا دربا ، كريما جوّادا ، شجاعا ، كان يسل سيفه ، ويهزه في يده ، ويقول : أشتهي أرى أبغا ، وهذا في يدي . ولما ملك أخرج الخلفاء من الاعتقال ، وأبطل تجهيز الثلج من بيروت وطرابلس ، وقال : لا حاجة لي به ، فإني كنت في دمشق ، وأدري ما يجري على الرعايا في وسق الثلج في المراكب ، وما يجدونه من التعب والمغارم والكلف . وكان ذكيّا يقظا : أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه قال : حكى لي والدي ، أنه وصل إليه في بعض الأيام بريد من مصر على يده كتاب من طرنطاي ، ومما فيه بخطه ، أن الخروف نطح كبشه فكيه ، فقال لي : ما هذا يا محيي الدين ! قلت : ما أعلم ، فقال : هذا كلام معناه أن بيدرا قد وثب على عمّه الشجاعي ، وكذا كان ، فإن الشجاعي كان زوج أم